ابن منظور

87

لسان العرب

يتعلَّقان بأَوصاف الصورة الباطنة أَكثر مما يتعلقان بأَوصاف الصورة الظاهرة ، ولهذا تكرّرت الأَحاديث في مَدح حُسن الخلق في غير موضع كقوله : مِن أَكثر ما يُدخل الناسَ الجنَّةَ تقوى الله وحُسْنُ الخلق ، وقولِه : أَكملُ المؤْمنين إِيماناً أَحْسنُهم خلُقاً ، وقوله : إِنَّ العبد ليُدرك بحُسن خُلقه درجةَ الصائم القائم ، وقوله : بُعِثت لأُتَمِّم مَكارِم الأَخلاق ؛ وكذلك جاءت في ذمّ سوء الخلق أَيضاً أَحاديث كثيرة . وفي حديث عائشة ، رضي الله عنها : كان خُلُقه القرآنَ أَي كان متمسكاً به وبآدابه وأَوامره ونواهيه وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن والأَلطاف . وفي حديث عمر : من تخلَّق للناس بما يعلم الله أَنه ليس من نَفْسه شانَه الله ، أَي تكلَّف أَيُظهر من خُلُقه خِلاف ما يَنطوِي عليه ، مثل تصَنَّعَ وتجَمَّل إِذا أَظهر الصَّنِيع والجميل . وتَخلَّق بخلُق كذا : استعمله من غير أَن يكون مخلوقاً في فِطْرته ، وقوله تخلَّق مثل تَجمَّل أَي أَظهر جَمالًا وتصنّع وتَحسَّن ، إِنَّما تأْوِيلُه الإِظْهار . وفلان يَتخلَّق بغير خُلقه أَي يَتكلَّفه ؛ قال سالم بن وابِصةَ : يا أَيُّها المُتحلِّي غيرَ شِيمَتِه ، * إِن التَّخَلُّق يأْتي دُونه الخُلُقُ أَراد بغير شِيمته فحذف وأَوصَل . وخالَقَ الناسَ : عاشَرهم على أَخلاقِهم ؛ قال : خالِقِ الناسَ بخُلْقٍ حَسَنٍ ، * لا تَكُنْ كلْباً على الناسِ يَهِرّ والخَلْق : التقدير ؛ وخلَق الأَدِيمَ يَخْلُقه خَلْقاً : قدَّره لما يريد قبل القطع وقاسه ليقطع منه مَزادةً أَو قِربة أَو خُفّاً ؛ قال زهير يمدح رجلًا : ولأَنتَ تَفْري ما خَلَقْتَ ، وبعضُ * القومِ يَخْلُقُ ، ثم لا يَفْري يقول : أَنت إِذا قدَّرت أَمراً قطعته وأَمضيتَه وغيرُك يُقدِّر ما لا يَقطعه لأَنه ليس بماضي العَزْم ، وأَنتَ مَضّاء على ما عزمت عليه ؛ وقال الكميت : أَرادُوا أَن تُزايِلَ خالِقاتٌ * أَدِيمَهُمُ ، يَقِسْنَ ويَفْتَرِينا يصف ابني نِزار من مَعدّ ، وهما رَبِيعةُ ومُضَر ، أَراد أَن نسَبهم وأَدِيمهم واحد ، فإِذا أَراد خالقاتُ الأَديم التفْرِيقَ بين نسَبهم تبيَّن لهن أَنه أَديم واحد لا يجوز خَلْقُه للقطع ، وضرَب النساء الخالِقاتِ مثلًا للنسّابين الذين أَرادوا التفريق بين ابني نِزار ، ويقال : زايَلْتُ بين الشيئين وزيَّلْتُ إِذا فَرَّقْت . وفي حديث أُخت أُمَيَّةَ بن أَبي الصَّلْت قالت : فدخَلَ عليَّ وأَنا أَخلُقُ أَدِيماً أَي أُقَدِّره لأَقْطَعه . وقال الحجاج : ما خَلَقْتُ إِلَّا فَرَيْتُ ، ولا وَعَدْتُ إِلَّا وَفَيْتُ . والخَلِيقةُ : الحَفِيرة المَخْلوقة في الأَرض ، وقيل : هي الأَرض ، وقيل : هي البئر التي لا ماءَ فيها ، وقيل : هي النُّقْرة في الجبل يَسْتَنقِع فيها الماء ، وقيل : الخليقة البئر ساعة تُحْفَر . ابن الأَعرابي : الخُلُق الآبارُ الحَدِيثاتُ الحَفْر . قال أَبو منصور : رأَيت بِذِرْوة الصَّمّان قِلاتاً تُمْسِك ماءَ السماء في صَفاةٍ خَلَقها الله فيها تسميها العرب خَلائقَ ، الواحدة خَلِيقةٌ ، ورأَيت بالخَلْصاء من جبال الدَّهْناء دُحْلاناً خلقها الله في بطون الأَرض أَفواهُها ضَيِّقَةٌ ، فإِذا دخلها الداخل وجدها تَضِيقُ مرة وتَتَّسِعُ أُخرى ، ثم يُفْضي المَمَرُّ فيها إِلى قَرار للماء واسع لا يوقف على أقْصاه ،